مصطفى لبيب عبد الغني

104

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

الخارج من الفم بعضها من بعض ونحو ذلك . والتمييز بين الخراجات بعضها من بعض ، والردية المزمنة والسريعة البرء . وما قد حصل منها فيها شئ ، وما لم يحصل ، وأي نوع هو الحاصل فيها ، والتفرقة بين أشكال الأعضاء الطبيعية ، والأشكال الذابلة والوهنة ؛ فإنه لا يكون طبيبا البتة ، حتى يكون صوابه في هذه أكثر من خطئه كثيرا . وعلى قلة خطئه كذلك يكون فضله ثم ليسأل عن دلائل الأمزاج أمزاج الناس وأمزاج الأعضاء ، وعن طبائع الأدوية والأغذية ، فإن التوسّع في ذلك دال على فضله وبالضد . وكذلك فليمتحن في المعرفة بأزمان الأمراض وتغيير العلاج في زمان زمان ، ويحسب نوع نوع ، فإن هذا مما لا يسعه أن يكون طبيبا إلا بمعرفته » « 1 » . ويصف لنا الرازي بعض عاداته الحميدة في علاجه لمرضاه ، وذلك في نحو قوله وهو يتابع مريض من ورم عظيم في معدته : « . . . لأنى بعد أن شاهدت بجانبه « 2 » عرفت أن له شهرا وتقدمت حمىّ حادة ثم سكنت ، فعلمت أنه قد كان خراج ثم نضج وجمع ، فأخذت فيما ينقى ويفجره » « 3 » ، وقوله أيضا عن نفسه

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 511 - 512 . ( 2 ) بفحص الحالات الاكلينيكية الثلاث والثلاثين الواردة في كتاب « الحاوي » نجد الرازي يحدد بدقة : المدينة التي يوجد فيها البيمارستان ( الحالة 18 ) وأحيانا يذكر اسم الشارع الذي عاين فيه مريضه ، وغالبا ما نجده يذكر أسماء أحياء مزدحمة تعج بالقاطنين من مختلف المهن ، كما يذكر أسواق الحرفيين - والرازي نفسه كان يسكن في حي الكرخ ببغداد حيث كان معظم المترددين عليه من طبقة الحرفيين والتجار ( Meyerhof , M . , p . 354 ) . وكان الرازي طبيبا لعائلات كثيرة : فقد عالج ابن وابنة الحسن ( أو الحسين ) ابن عبدويه ( الحالة 11 ، 29 ) وعبد الله بن سوادة وابنه ( الحالة 1 ، 24 ) وأبا عيسى الهاشمي النحاس وزوجته ( الحالة 17 ، 26 ) ونظيف الورّاق وأخته ( الحالة 9 ، 31 ) . وكثير من هؤلاء المرضى كانوا جيرانه يقطنون معه في نفس الشارع أو الحي ( الحالات 18 ، 28 ) . ومن الطريف أن نجد الحالة السابعة يذكر فيها الرازي علاجه لأبى الحسين الخيّاط المعتزلي - خصمه العنيد في بغداد ! ونجد من بين مرضاه فقراء كما نجد موظفين رسميين وأشرافا ( الحالات 3 ، 30 ) . ويذكر أيضا من أسماء مرضاه : حسن الحميد ( « الحاوي » ج 4 ص 177 ) ، والوضاحى ، ( ج 4 ص 178 ) ، كما يذكر مريضا اسمه ابن داود عالجه من قرحة في مجارى البول ( ج . 1 ص 44 ) . ومن الجدير بالذكر أنّ الرازي ، الذي لم يحضر إلى بغداد إلّا بعد أن ذاع صيته بما هو طبيب عظيم ، قد رعى مرضاه من كافة الطبقات ودون النظر إلى مستواهم الاجتماعي أو المادي ، كما دفعه حسّه الإنسانى إلى تأليف كتابه : « من لا يحضره الطبيب » . ( 3 ) الرازي : « الحاوي » ج 5 ص 88 .